الشيخ محمد الصادقي

315

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

« أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ » ( 23 : 69 ) . « لَمْ يَعْرِفُوا » منذ دعوته إذ لم يدَّبَّروا قوله لم هو بدع من القول ، « أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا » رغم كافة الحجج الرسالية المحلّقة عليه « فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ » رغم هذه الحجج الدامغة البارقة ، أم لم يعرفوه قبل رسالته » فقد لبث فيهم عمراً من قبله أفلا يعقلون » ، فقد عرفوه قبل بالأمانة والصدق ، فهل الأمين الصادق مع الناس يتحول إلى خائن كاذب مع اللَّه « تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى » فقد عرفوه سابقاً في الحال بأحواله المصدِّقة لكل حالة وقالة دون اي كذب وإدغال ، ثم لما جاءهم بما ينجيهم من غمرة الجهالة أنكروه . ذلك وكما عرفه أهل الكتاب بما بُشر به بمواصفاته في كتاباتهم ، ولمّا جاءهم كذبوه وجنَّنوه : « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ » ( 2 : 146 و 6 : 20 ) . « أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ » ( 23 : 70 ) . وهذه طنطنة وغوغائية دعائية هي آخر المطاف لهم في تزييف موقف الرسالة ، ان « بِهِ جِنَّةٌ » إذ يقول ما لا نقول به ، ويعبد ما لا نعرفه ، فبيننا وبينه حجاب المعرفة ، « بَلْ » كل ذلك دعوى بلا حقيقة ولا برهان « بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ » بكلِّ آياته وبيناته « وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ » وأقلهم لا يعرفونه قصوراً أو تقصيراً فهم له منكرون ، قصوراً كالمستضعفين الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلًا ، فهم بُلهٌ لا يميزون ، وتقصيراً كمن لا يفتشون عن الحق ، بغية أريحية الحياة ، أم عرفوه ولكنهم تركوه دون كراهية له نفسه ، وانما كراهية التوبيخ من قومهم وان يقولوا ترك دين آباءه . هؤلاء هم منجرفون مع الهوى ، منحرفون إلى حكل ردىً ، يهوون ان يتَّبع الحق أهوائهم ، كأنهم آلهة بأهوائهم الطائشة ، وعلى الحق ان يتبعهم حيث جعلوا آلهتهم أهواءهم فألهتهم عما يعنيهم : « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ » ( 23 : 71 ) . « لَوِ » تحيل ذلك الاتباع المفروض المرفوض في كل الحقول عند الرباب العقول ، فلو كان